كريم نجيب الأغر
495
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
I - التقدير كما جاء في النصوص الشرعية : لقد ذمّ اللّه سبحانه وتعالى الإنسان في قوله : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ، وسبب هذا الذمّ هو : أن الإنسان يكفر ويتكبّر مع العلم أنه خلق من شيء حقير ؛ من نطفة صغيرة قدّرت تركيبته البيولوجية بإذن اللّه . جاء في لسان العرب « 1 » : « قدر : . . . التهذيب والتقدير على وجوه من المعاني : أحدها : التروية والتفكير في تسوية أمر وتهيئته . والثاني : تقديره بعلامات يقطعه عليها . والثالث : أن تنوي أمرا بعقلك تقول : قدّرت أمر كذا وكذا . . . » . ومن التفسير نفهم أن التقدير هو أن تنوي تسوية أمر في المستقبل من خلال إعطائه علامات تقطعه عليها . وعلى ذلك يكون معنى الآية : من نطفة خلقه وأقر له هيئته التي سيكون عليها في المستقبل من خلال تركيبة هذه النطفة . والتقدير يحصل عندما يخلق اللّه تعالى نطفة الأمشاج كما أوضحناه في مبحث « اختلاط عروق النطفة » ، وذلك عند انصهار نواتي الحيوان المنوي والبويضة ، وامتزاج الصبغيات ، وتفاعل المورّثات الذكرية والأنثوية في عملية تستغرق أقل من 30 ساعة . ومن هنا نفهم أن تقدير هيئة الإنسان يبدأ وقت خلق نطفة الأمشاج « 2 » . وبما أن التقدير هو تسوية أمر في المستقبل ، نفهم أن هذا التقدير يشمل جميع المراحل التي يمر بها الإنسان . ولذلك جاء ذكر المراحل التي يمر بها الإنسان في الآيتين الكريمتين : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً [ الحج : 5 ] ، و هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [ غافر : 67 ] .
--> ( 1 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « قدر » - ( ج 11 / ص 57 ) . ( 2 ) تجدر الإشارة إلى أن التقدير في الأزل ، ولكن أول ظهور سببي لما اقتضاه قدر اللّه تعالى في الأزل هو عندما تتشكل نطفة الأمشاج .